أحمد الشرباصي

221

موسوعة اخلاق القرآن

والظلم ، وانما أهلكهم ويهلكهم بظلمهم وافسادهم فيها ، كما ترى في الآيات العديدة من هذه السورة ( هود ) وغيرها . وفي الآية وجه آخر ، وهو أنه ليس من سنته تعالى أن يهلك القرى بظلم يقع فيها ، مع تفسير الظلم بالشرك وأهلها مصلحون في أعمالهم الاجتماعية والعمرانية ، وأحكامهم المدنية والتأديبية ، فلا يبخسون الحقوق كقوم شعيب ، ولا يرتكبون الفواحش ، ويقطعون السبيل ، ويأتون في ناديهم المنكر ، كقوم لوط ، ولا يبطشون بالناس بطش الجبارين كقوم هود ، ولا يذلون لمتكبر جبار يستعبد الضعفاء كقوم فرعون . بل لا بد أن يضموا إلى الشرك الافساد في الاعمال والاحكام ، وهو الظلم المدمر للعمران . ويحتمل أن يراد انه لا يهلكها بظلم قليل من أهلها لأنفسهم ، إذا كان الجمهور الأكبر منهم مصلحين في جل اعمالهم ومعاملاتهم للناس . أخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي ، عن جرير بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن تفسير هذه الآية ، فقال : « وأهلها ينصف بعضهم بعضا » . وروى موقوفا على جرير رضي الله عنه . فتنكير الظلم في هذا للتقليل والتحقير ، وفيما قبله للتعظيم ، وهو مأخوذ من قوله تعالى : « إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ » « 1 » . والآية تدل على أن اهلاك المصلحين ظلم ، فلذلك يتنزه الله عنه . وذكر المفسرون في الوجه الثاني القول المشهور عن تجارب الناس ، وهو : ان الأمم تبقى مع الكفر ، ولا تبقى مع الظلم » .

--> ( 1 ) سورة لقمان ، الآية 13 .